نورالدين علي بن أحمد السمهودي

86

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

الحديد المستعمل في القماش بمصر الآن ذراع إلا ثمن ذراع ، كما اعتبرته أنا وغيري ، ومشى عليه التقي الفاسي في تاريخ مكة المشرفة ، وليكن ذلك على ذكر منك إذا مررت بشيء مما ضبطناه في المسافات في كتابنا هذا ، وقيل : الميل ستة آلاف ذراع ، ومشى عليه النووي ، وهو بعيد ، ولعل قائله هو الذي يجعل الإصبع في الذراع ثلاث شعيرات فقط ، وقيل : الميل ألفا ذراع ، والصواب ما قدمناه ، والله أعلم . الفصل الثاني عشر في حكمة تخصيص هذا المقدار المعين بالتحريم حكمة التخصيص اعلم أن المفهوم من تحريم ذلك تشريف المدينة الشريفة وتعظيمها به لحلول أشرف المخلوقين صلوات الله وسلامه عليه ، وانتشار أنواره وبركاته بأرضها ، وكما أن الله تعالى جعل لبيته حرما تعظيما له جعل لحبيبه وأكرم الخلق عليه ما أحاط بمحله حرما تلتزم أحكامه ، وتنال بركاته ، ويوجد فيه من الخير والبركة والأنوار المنتشرة والسلامة العاجلة والآجلة ما لا يوجد في غيره ، ولهذا حث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بني حارثة على الكون به ، كما أشار إليه بقوله : « أراكم يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم » ثم التفت فقال : « بل أنتم فيه » وذلك لخصوصية الكون فيه على الكون خارجه ، وتخصيص ذلك المقدار إما أن يكون لما شاهده صلّى اللّه عليه وسلّم فيه من أمر رباني ، وسر روحاني بثه الله فيه إلى تلك الحدود المتقدمة ، وقد ذكر أهل الشهود أنهم يشاهدون الأنوار منبثة في الحرم وأهله إلى حدوده ، ولها منابع تفيض عنها ، وذلك في الحرمين جميعا ، فترتبت الأحكام الظاهرة على تلك الحقائق الباطنة ، ولهذا لما بلغت النار الآتي ذكرها طرف هذا الحرم الشريف طفئت كما سيأتي ، وإما أن يكون بمقتضى أمر إلهي ، ووحي رباني لا ندركه نحن ؛ إذ العقول البشرية قاصرة عن إدراك معاني الأحكام المتلقاة عن النبوة ، وإنما يظهر لها لايحه من شوارق مطالعها عند التأييد والتسديد ، هدانا الله لإدراكها بمنه وكرمه . وجوه تذكر في حكمة التحديد وقد قيل في حكمة تحديد الحرم المكي أشياء يمكن مثلها هنا ؛ فقيل : لما أهبط آدم إلى الأرض أرسل الله ملائكة حفوا بمكة من كل جانب ووقفوا في موضع أنصاب الحرم يحرسون آدم عليه السلام ، فصار ذلك حرما . وقيل : لما وضع الخليل عليه السلام الحجر الأسود في الكعبة حين بناها - وهو من أحجار الجنة - أضاء الحجر من الجهات الأربع ، فحرم الله تعالى الحرم من حيث انتهى النور . وقيل : إن الله تعالى أمر جبريل عليه السلام